الحلبي
421
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عشرة رجال في الخندق ، أي فكان يحفر في كل يوم خمسة أذرع في عمق خمسة أذرع حتى أصيب بالعين ، أصابه بالعين قيس بن صعصعة فلبط به : أي بلام مضمومة فموحدة مكسورة فطاء مهملة : صرع فجأة ، وتعطل عن العمل ، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « مروه فليتوضأ وليغتسل ، ويكفىء الإناء خلفه ففعل ، فكأنما نشط » أي حل « من عقال » وفي لفظ « فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوءه في ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ، ويكفىء الإناء خلف ظهره » . وذكر « أنه لما اشتدت تلك الكدية على سلمان أخذ صلى اللّه عليه وسلم المعول من سلمان ، وقال : بسم اللّه ، وضرب ضربة فكسر ثلثها ، وبرقت برقة ، فخرج نور من قبل اليمن كالمصباح في جوف ليل مظلم ، فكبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : أعطيت مفاتيح اليمن ، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة كأنها أنياب الكلاب . ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر ، فخرج نور من قبل الروم ، فكبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : أعطيت مفاتيح الشام ، واللّه إني لأبصر قصورها » أي زاد في رواية « الحمر . ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر ، وبرق برقة فكبر ، وقال : أعطيت مفاتيح فارس ، واللّه إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب في مكاني هذا » أي وفي رواية « إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ، وجعل صلى اللّه عليه وسلم يصف لسلمان أماكن فارس ، ويقول سلمان : صدقت يا رسول اللّه ، هذه صفتها ، أشهد أنك رسول اللّه ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هذه فتوح يفتحها اللّه بعدي يا سلمان » ا ه . أي وعند ذلك قال جمع من المنافقين . منهم معتب بن قشير : ألا تعجبون من محمد يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق : أي الخوف ، لا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل اللّه تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : الآية 26 ] الآية . وقيل في سبب نزولها أنه صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات ، من أين لمحمد ملك فارس والروم ؟ وهم أعزّ وأمنع من ذلك . ولما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش ومن معها ، وكانوا عشرة آلاف كما تقدم ، فنزلت قريش بمجمع الأسيال وغطفان ومن معهم إلى جانب أحد ، وكان المسلمون ثلاثة آلاف . أي وقد قال ابن إسحاق : سبعمائة ، ووهم في ذلك . وقال ابن حزم : إنه الصحيح الذي لا شك فيه ولا وهم ، وعسكر بهم صلى اللّه عليه وسلم إلى سفح سلع : وهو جبل فوق المدينة ، أي فجعل ظهر عسكره إلى سلع كما تقدم ، والخندق بينه وبين القوم ،